اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
301
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الممتازة بصقلية بل أيضا لبلاط النورمان الذي لم يترك لنا الكتاب اللاتين المعاصرين شيئا يذكر عنه 244 . وتعتبر رحلة بن جبير من الناحية الفنية ذروة ما بلغه نمط الرحلة في الأدب العربي . وإذا كان وصفه المفصل للأبنية مملا للقارئ العادي فإن أسلوبه يمتاز بالكثير من الحيوية وسهولة التعبير ، مثال ذلك وصفه لجمارك الإسكندرية أو لكارثة السفينة على سواحل صقلية . أما عرضه العام فيستهدف الصنعة والأناقة ، وهو كثيرا ما يلجأ إلى السجع الذي يعالجه بالكثير من المهارة دون أن يبالغ فيه أو يضطر القارئ إلى تكلف الجهد في تفهمه . كما يشحن كتابته بالاقتباسات الأدبية والإشارات اللطيفة مما يتطلب درجة معينة من المعرفة والاطلاع حتى يضحى مفهوما للقارئ . وبعد فهذا مصنف رفيع الأسلوب يختتم بجدارة حلقة الجغرافيين الأندلسيين لهذا العصر . ومن الطبيعي أن شخصيات لامعة كالبكرى والإدريسى وابن جبير لا تستغرق حلقة مؤلفي المغرب ، إذ نلتقى إلى جانبهم - - بمصنفات أقل شهرة ولكنها لا تخلو أحيانا من بعض الصلة بهم ، أحدها هو « كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار » لمؤلف مجهول 245 . ويدين العلم بمعرفته إلى كريمر A . Kremer الذي نشر المتن عام 1852 معتمدا على مخطوطة فينا مع عرض مفصل لمضمون الكتاب باللغة الألمانية . ومخطوطة باريس التي استعملها لأول مرة أمارى 246 قد ساعدت في تغطية الفجوات الموجودة بمخطوطة فينا ، غير أنها لا هي ولا مخطوطة الجزائر عاونتا على حل المشاكل المتعلقة بأصل الكتاب ومضمونه . أما ترجمة فانيان Fagnan ( 1900 ) التي اعتمد فيها على المخطوطات الثلاث وزودها بكمية من الشروح والتعليقات فهي تمثل خطوة في هذا السبيل ولو أنها لا تقدم لنا الكتاب في صورته الكاملة 247 . ولا يتطرق الشك إلى صلته بالبكرى غير أن باب الاستنتاج يقف عند هذا الحد ، ويرجع تاريخ تأليف الكتاب إلى عام 587 ه - 1191 ، ويتضح هذا من مضمونه 248 . ويلوح لنا أن المؤلف أدى فريضة الحج فهو يصف الحرمين وصفا مفصلا ثم ينتقل إلى الكلام عن مصر ويتحدث عن أهراماتها 249 ؛ وبعد هذا ينتقل شمالا إلى الكلام عن شواطئ المحيط الأطلنطى ، ثم يورد لنا في الغالب مادة البكري 250 واصفا المدن وفقا لترتيب جغرافى معين مضيفا إلى ذلك بعض روايات المعاصرين 251 . وهو يجهد في تسجيل جميع ما رآه في طريقه وكل ما سمعه عن البلاد المحيطة 252 ومن ثم فهو يختلف عن البكري لا في التبويب وترتيب المادة 253 فحسب بل وأيضا في أنه يصف أفريقيا الشمالية وصف شاهد عيان 254 ويقتصر في عرضه على الجغرافيا الوصفية وحدها 255 . وأغلب الظن أن المصنف لم يصلنا في مسودته الأصلية ، فالعرض يرد على لسان من يدعى « الناظر » ، وهو الذي ( نظر ) في الكتاب في عهد أبى يوسف يعقوب الموحدى ( الذي حكم ابتداء من عام 580 ه - 1184 ) وأضاف إليه روايات تتعلق بانتصار الخليفة وسفارة صلاح الدين الأيوبي إلى فاس في عام 588 ه - 1192 . أما مؤلف الكتاب نفسه فيأتي ذكره على ما يبدو تحت اسم « المؤلف » وتذكر إلى جانبه مصادر أخرى 256 . وجميع هذه النقاط